خصم 20% على جميع الخدمات القانونية من 2026/1/1م حتى 2026/1/31م
عرض بداية السنة 2026
خصم 20% على جميع الخدمات القانونية من 2026/1/1م حتى 2026/1/31م
النظام الأساسي للحكم في السعودية: قراءة قانونية في ركائز الدولة ومقوماتها الدستورية
29 سبتمبر, 2025 09:05 ص
النظام الأساسي للحكم في السعودية: قراءة قانونية في ركائز الدولة ومقوماتها الدستورية

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية على مختلف الأصعدة، تبرز الحاجة إلى فهم الإطار النظامي الذي يحكم مؤسسات الدولة ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ويُعد النظام الأساسي للحكم حجر الأساس في البناء الدستوري للمملكة، حيث يُرسّخ المبادئ التي تقوم عليها الدولة، ويحدد خصائص نظام الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات وفقًا للشريعة الإسلامية. من هذا المنطلق، نسلط الضوء في هذا المقال على أبرز ملامح النظام الأساسي للحكم، كما ورد في نصوصه وتطبيقاته، مع استعراض شامل للسلطات الثلاث، والهوية الوطنية، والحقوق العامة، في سياق يعكس التوازن بين الأصالة والتحديث.

صدر النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية عام 1992م بأمر ملكي من الملك فهد بن عبد العزيز، ويُعد أحد أهم الأنظمة الدستورية التي تنظم سلطات الدولة وتحدد الحقوق والواجبات الأساسية للمواطنين، مستندًا إلى الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للحكم والتشريع. وقد خضع النظام لتعديلات لاحقة لمواكبة التطورات السياسية والاجتماعية في المملكة.

يتكون النظام الأساسي من 83 مادة موزعة على عدة أبواب، تشمل تنظيم نظام الحكم، آلية اختيار الملك، المبادئ العامة للدولة، مقومات المجتمع السعودي، حقوق المواطنين والمقيمين، وصلاحيات السلطات الثلاث والأجهزة الرقابية.

الشريعة الإسلامية تُعد المصدر الأساسي لكافة الأنظمة والقوانين في المملكة، وتُطبق أحكامها في مختلف المجالات، بما في ذلك المعاملات المالية، الأحوال الشخصية، والحدود الشرعية، بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

ويُحدد النظام هوية المملكة بوصفها دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة كاملة، ويُقر الإسلام دينًا رسميًا للدولة، والقرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أساسيين للتشريع. كما يُعتمد التقويم الهجري في المناسبات الرسمية، وتُعتبر اللغة العربية اللغة الرسمية، والرياض العاصمة السياسية والإدارية للبلاد. وتقتصر الأعياد الرسمية على عيدي الفطر والأضحى، بما يتوافق مع الثوابت الإسلامية.

ينص النظام على أن علم الدولة أخضر اللون، بعرض يساوي ثلثي طوله، تتوسطه عبارة "لا إله إلا الله" وتحتها سيف، ويُمنع تنكيسه تحت أي ظرف. أما شعار الدولة، فيتكون من سيفين متقاطعين تتوسطهما نخلة.

نظام الحكم في المملكة ملكي، ويقتصر على أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وأبناء الأبناء، ويتم اختيار الأصلح منهم للحكم وفقًا للبيعة على كتاب الله وسنة رسوله، مع اشتراط ألا يجتمع الملك وولي العهد من فرع واحد من ذرية الملك عبد العزيز. وتُمارس هيئة البيعة دورًا محوريًا في تنظيم عملية انتقال السلطة، واختيار ولي العهد، وفق إجراءات واضحة تضمن الاستقرار السياسي.

تتمثل مهام الملك في الإشراف على تطبيق الشريعة الإسلامية والأنظمة والسياسة العامة للدولة، ورئاسة مجلس الوزراء، وحماية البلاد والدفاع عنها، والقيام بدور القائد الأعلى للقوات العسكرية، واستقبال رؤساء الدول وتعيين الممثلين الدبلوماسيين، ومنح الأوسمة، وفتح مجلس الملك ومجلس ولي العهد لاستقبال المواطنين والاستماع إلى شكاواهم، والإعلان عن حالات الطوارئ أو الحرب عند الضرورة، واتخاذ الإجراءات العاجلة لمواجهة أي تهديد يمس أمن البلاد أو مصالح الشعب.

ويكفل النظام الأساسي للمواطنين مجموعة من الحقوق، منها حرية الرأي والتعبير وفقًا للضوابط الشرعية، حماية الممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، كما يُتيح لكل مواطن حق مخاطبة السلطات العامة لتقديم المظالم أو الطلبات.

حدد النظام مسؤوليات السلطات الثلاث على النحو التالي: السلطة التنفيذية التي تشمل الحكومة والوزارات ويرأسها الملك، السلطة التشريعية التي تتمثل في مجلس الشورى وتُعنى بإبداء الرأي حول الأنظمة، والسلطة القضائية التي تُعد مستقلة وتستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

يتكون الهيكل القضائي من المحكمة العليا، ومحاكم الاستئناف، والمحاكم العامة، والمحاكم التجارية، ومحاكم الأحوال الشخصية، ومحاكم العمل، وديوان المظالم المختص بالنزاعات الإدارية.

أما الإدارة المحلية، فتُقسم المملكة إلى مناطق إدارية ذات حكم ذاتي محدود، ويُعين أمراء المناطق بأوامر ملكية، بهدف تحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق.

تخضع الموارد المالية للدولة لرقابة شاملة تشمل الإيرادات والمصروفات والأصول، وتُجرى عمليات تفتيش دورية لضمان الالتزام بالأنظمة، وترفع التقارير السنوية إلى رئيس مجلس الوزراء.
ويُولي النظام أهمية كبيرة للأسرة بوصفها اللبنة الأساسية للمجتمع، ويؤكد على ضرورة تربيتها على القيم الإسلامية والولاء للوطن، كما يُعزز التماسك الاجتماعي ويمنع أسباب الفرقة، ويقوم المجتمع على مبادئ التعاون والتكافل.

في المجال التعليمي، يهدف النظام إلى تعزيز الهوية الإسلامية وغرس حب الوطن، ويضمن توفير التعليم العام للجميع، ويعمل على القضاء على الأمية، وتنمية المهارات وبناء الشخصية المتكاملة.

أما السياسة الاقتصادية، فتقوم على ملكية الدولة للموارد الطبيعية وتنظيم استغلالها، وحماية الملكية الخاصة، وفرض الضرائب والرسوم وفق أسس نظامية عادلة.

ويُعزز النظام مبدأ اللامركزية الإدارية من خلال مجالس المناطق التي تُعد قنوات اتصال مع المواطنين، وتُسهم في صنع القرار المحلي، وتوازن بين الخصوصية المحلية والسياسات الوطنية.

وتلتزم الدولة بحماية الحرمين الشريفين، وتوفير الخدمات للحجاج، وضمان الحقوق الأساسية كالصحة والتعليم والأمن، ويُعد الدفاع عن الوطن واجبًا مقدسًا على كل مواطن.

وفي إطار رؤية المملكة 2030، يسعى النظام إلى بناء نموذج متكامل للحكم والتنمية، من خلال أنظمة عامة تغطي المجالات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، البيئية، والصحية، بما يضمن التطور المستدام والحفاظ على الهوية الوطنية.

إن النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية لا يمثل مجرد وثيقة تنظيمية، بل هو انعكاس لرؤية متكاملة تجمع بين الالتزام بالشريعة الإسلامية والحرص على بناء دولة حديثة ذات مؤسسات فعالة. ومن خلال هذا الإطار، تواصل المملكة مسيرتها نحو تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز العدالة، وترسيخ الهوية الوطنية، بما يواكب تطلعات المجتمع ويضمن استقراره. ويظل فهم هذا النظام ضرورة لكل من يعمل في الحقل القانوني أو يهتم بالشأن العام، لما له من أثر مباشر على صياغة السياسات وتشكيل مستقبل البلاد.

شارك:

التعليقات (0)
أترك تعليقا
×